محمد باقر الملكي الميانجي

41

مناهج البيان في تفسير القرآن

يجب عن هذه المسألة بجواب إبراهيم فقد رغب عن ملّته . قال اللّه عزّ وجلّ : « وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ » . [ البقرة ( 2 ) / 130 ] . . . وفي العلل / 585 ، عن محمّد بن الحسن مسندا عن أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : لمّا رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض . . . ثمّ التفت فرأى جيفة على ساحل البحر بعضها في الماء وبعضها في البرّ ، تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء ، ثمّ ترجع فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا ، وتجيىء سباع البرّ فتأكل منها ، فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضها ، فعند ذلك تعجّب إبراهيم ممّا رأى وقال : يا ربّ أرني كيف تحيي الموتى ، هذه أمم يأكل بعضها بعضا ؟ قال : أو لم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئنّ قلبي ، فتحيي حتّى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلّها . قال : خذ أربعة من الطير فقطّعهنّ واخلطهنّ كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع الّتي أكل بعضها بعضا ، فاخلطهنّ ثمّ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا ، ثمّ ادعهنّ يأتينك سعيا ، فلمّا دعاهنّ أجبنه . وكانت الجبال عشرة . قال : وكانت الطيور الديك والحمامة والطاووس والغراب . أقول : قد تبيّن من جميع ما ذكرنا أنّ المراد من الرؤية هو العلم الخاصّ ، الأجلّ الأعلى من العلم الحاصل بالاستدلال ، بل هو علم زائد على العلم الحاصل بالنبإ الصّادق أيضا . ولا ينافي ذلك قوله عليه السلام : كما رأيت الأشياء كلّها ، إذ الكلّ الّذي أراه اللّه - تعالى - إنّما هو ملكوت السماوات والأرض ، ولم يعلم بعد أنّ علم البدء والعود داخل في ملكوت السماوات والأرض أو لا . فالمتحصّل من الآية الكريمة مع ما ورد في بيانها وشرحها من الروايات ، أنّ المراد طلب الزيادة على سبيل الرؤية ، وإن كان عليه السلام واجدا لقسمة عظيمة من العلم الحضوري والعياني لعدّة من الحقائق .